حسن ابراهيم حسن

129

تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )

وعسفها . فلما رآه أبوه ( سهيل بن عمرو ) التفت إلى الرسول وطلب إليه تنفيذ شروط الصلح : فقد لجت « 1 » القضية بينه وبين الرسول ، فأجابه الرسول إلى ما أراد ، ورد أبا جندل إلى قريش وهو يصيح مستنجدا والرسول يقول له : « يا أبا جندل ! اصبر واحتسب فإن اللّه جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا . إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد اللّه لا نغدر به « 2 » . وقد ثارت نفوس المسلمين واستزل بهم الشيطان وأخذوا يتساءلون فيما بينهم . على أن أحدا لم يجرؤ على مفاتحة الرسول في شأن ذلك الصلح حتى قام عمر ، وقد طوعت له جرأته أن يسأل الرسول وقال له : « ألست رسول اللّه ؟ قال : بلى ، قال : أو لسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى ، أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطى الدنية في ديننا ؟ » . غير أن الرسول عالج هذه الفورة بحكمته وسداده فأجابه بقوله : « أنا عبد اللّه ورسوله لن أخلف أمره ولن يضيعني » . ثم عاتب الشاكين من أصحابه عتابا خفيفا وتوجه إلى المدينة ، وشرع في استغلال هذه الهدنة لبث الدعوة وتبليغ الرسالة والعمل على تنظيم شؤون المدينة الداخلية . وقد عد الزهري هذا الصلح فتحا عظيما للإسلام إذ يقول : فما فتح في الإسلام قبله أعظم منه . . . فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس كلهم بعضهم بعضا ، فالتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة ، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه فلقد دخل في تينك السنتين في الإسلام مثل ما كان الإسلام قبل ذلك وأكثر » « 3 » . وقد جعلت هذه الهدنة الاتصال مع بلاد العرب الجنوبية أمرا ميسورا في ذلك الحين ، فجاء وفد صغير من قبيلة بنى دوس تلك الجبال التي تتاخم بلاد اليمن الشمالية وانضموا إلى النبي في المدينة . وكانت جماعة من هذه القبيلة

--> ( 1 ) يقصد أن الصلح قد أبرم . ( 2 ) ابن هشام ج 3 ص 367 ، 372 - 373 . ( 3 ) الطبري ج 3 ص 79 ، 81 .